لعدة عقود، ظلّت الرسائل الصحية العامة تكرّر تحذيراً صارماً: الدهون تجعلك سميناً. ولا تزال بطاقات الأغذية تُبرز عبارات مثل “خالية من الدهون”، فيما ازدهرت صناعات غذائية كاملة على فكرة أن جميع أنواع الدهون ضارّة. غير أن هذه الرسالة غير دقيقة ومضرة في آنٍ واحد. فدراسة صادرة عن كلية الطب بجامعة هارفارد تصف الدهون الغذائية بأنها “مغذٍ أسيء فهمه بشكل كبير وتعرّض لاتهام خاطئ”، مشيرةً إلى أن شعار “الدهون سيئة” ساهم في إطلاق حميات قليلة الدهون غير فعّالة، وشجّع على إنتاج منتجات “خالية من الدهون” لكنها عالية السعرات الحرارية، مما غذّى وباء السمنة ومرض السكري من النوع الثاني.
أربعة أنواع من الدهون وأربع تأثيرات مختلفة
يحدّد تقرير هارفارد أربعة أصناف متميزة من الدهون الغذائية:
- الدهون المتحوّلة (Trans fats): تُنتَج عبر هدرجة جزئية للزيوت النباتية، وترفع مستويات الدهون الضارّة في الدم وتخفض مستويات الدهون الواقية.
- الدهون المشبعة: موجودة في اللحوم الحمراء ومنتجات الألبان كاملة الدسم، وتزيد كلّاً من الدهون الضارّة والدهون الواقية؛ ويمكن لتناول معتدل – لا يتجاوز نحو 8٪ من إجمالي السعرات اليومية – أن يكون جزءاً من نظام صحي.
- الدهون الأحادية غير المشبعة: مثل زيت الزيتون والمكسرات والبذور.
- الدهون المتعددة غير المشبعة: وخصوصاً أحماض أوميغا-3 الموجودة في الأسماك وبعض الزيوت النباتية، وهي تحسّن صحة القلب وتعدّ عناصر غذائية أساسية.
ويؤكد التقرير أن نوع الدهون أهم من كميتها؛ إذ يمكن للحِميات التي توفر ما يصل إلى 40٪ من السعرات من الدهون أن تكون صحية متى ركزت على النوعين غير المشبعين وأبقت الدهون المتحوّلة والمشبعة في حدود منخفضة.
أهمية فهم البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL) والبروتين الدهني مرتفع الكثافة (HDL)
يرمز LDL إلى البروتين الدهني منخفض الكثافة، وغالباً ما يُسمّى “الكولسترول الضار”. تنقل جزيئاته الكولسترول من الكبد إلى مجرى الدم، وعندما ترتفع نسبته يتسرّب فائض الكولسترول إلى بطانة الشرايين حيث تبتلعه خلايا مناعية لتشكّل لويحات دهنية. مع الوقت تضيق الأوعية الدموية وتتصلّب – وهي عملية تُعرف بتصلّب الشرايين – ما يرفع خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية وأمراض الشرايين الطرفية.
أما HDL، أو البروتين الدهني مرتفع الكثافة، فيُسمّى أحياناً “الكولسترول النافع” لأنه يقوم بالمهمة العكسية؛ إذ يجمع الكولسترول من الدم والأنسجة ويعيده إلى الكبد لإعادة تدويره أو التخلص منه. انخفاض مستوى HDL يعني نقص “فريق التنظيف” هذا، فيبقى مزيد من الكولسترول في الدورة الدموية ويغذي تكوّن اللويحات.
لذلك، فإن أي عامل يرفع LDL ويخفض HDL يسرّع بشكل حاد من مخاطر أمراض القلب والأوعية. وهذا بالضبط ما تفعله الدهون المتحوّلة، ما يجعلها شديدة الخطورة.
في المقابل، تؤدي الدهون غير المشبعة دوراً معاكساً: فهي تخفّض LDL، وترفع HDL، وتحسّن حساسية الإنسولين، وتساعد في استقرار نظم القلب. كما أنها توفر أحماضاً دهنية أساسية تدعم حاجز البشرة وتساهم في إنتاج الهرمونات المسؤولة عن نمو الشعر—وهي تفاصيل مهمة لكل من يهتم بترابط التغذية والجمال.
مكانة الأطعمة فائقة المعالجة
يضيف تحليل حديث ثانٍ من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) والجمعية الأمريكية للقلب (AHA) بُعداً آخر. فمن عام 2021 إلى 2023، شكّلت الأطعمة فائقة المعالجة 55٪ من إجمالي السعرات الحرارية لدى سكان الولايات المتحدة و62٪ لدى الأطفال والمراهقين (CDC 2023). وتشمل هذه الأطعمة المشروبات الغازية واللحوم المعالجة والوجبات الخفيفة المعبأة والوجبات الجاهزة للتسخين، وهي غالباً غنية بالدهون المشبعة والسكريات المضافة والصوديوم، لكن مخاطرها تتجاوز ضعف المحتوى الغذائي. فالمعالجة الصناعية تزيل الألياف الطبيعية، وتسرّع الهضم، وترفع مستويات سكر الدم والإنسولين، وتضيف مواد كيميائية وملوثات من مواد التعبئة. وترتبط هذه الأنماط الغذائية بارتفاع معدلات السمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية والوفاة المبكرة (الجمعية الأمريكية للقلب 2025).
إن تضمين هذه الأدلة يقوّي الحُجّة: فالثقافة التي شيطنت جميع أنواع الدهون دفعت المستهلكين من غير قصد نحو منتجات “خالية من الدهون” لكنها فائقة المعالجة، وهذه لا تزيح فقط الدهون الصحية غير المشبعة، بل تخلق أيضاً مخاطر قلبية-استقلابية خاصة بها.


