The M-Press Journal

كيف اخترع المسلمون المقهى؟

القهوة ليست مجرد طقس صباحي؛ بل هي أيضاً أحد المكوّنات الأكثر استخداماً في مستحضرات التجميل الحديثة. فهي غنية بحمض الكلوروجينيك والكافيين والمركبات المضادة للأكسدة، وقد دُرست خصائصها المضادة للالتهابات والمنشطة للبشرة. لكن في هذه المجلة، لا نختزل الجمال إلى مجرد قائمة فوائد. منهجنا هو دراسة كل مكوّن من جذوره—علمياً، تاريخياً، وثقافياً—لأن الجمال هو أيضاً معرفة. لفهم سبب المكانة القوية التي تحتلها القهوة في العناية بالبشرة اليوم، نبدأ ليس من كيميائها، بل من تاريخها.

تتناول هذه المقالة تلك القصة: كيف أصبحت نبتة موطنها شرق إفريقيا جزءاً أساسياً من الممارسات الروحية، وكيف حوّلها المسلمون إلى شراب ومؤسسة في آن واحد، وكيف أعاد المقهى الذي ابتكروه تشكيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية من إسطنبول إلى لندن. في المقال التالي، سنعود إلى النبات نفسه—زهوره، كيمياؤه الحيوية، والعلم وراء تطبيقاته التجميلية.


الأصول والممارسة الصوفية

اكتُشف نبات القهوة أولاً في مرتفعات إثيوبيا والسودان وكينيا. وتتحدث الأساطير عن راعٍ يُدعى “خالد” لاحظ تأثير الحبوب المنشطة على ماشيته، إلا أن مثل هذه القصص أقرب إلى الفولكلور منها إلى الحقيقة. أما ما تؤكده المصادر التاريخية فهو أن مجتمعات اليمن، وخاصة الطرق الصوفية المنهمكة في الصلاة وذكر الله، كانت أول من قام بتحميص القهوة وشربها كشراب.

لم تكن القهوة بالنسبة إليهم مجرد ترفيه؛ بل وسيلة روحية. فقد أعانتهم على إحياء ليالي الذكر (الورد الصوفي) والصلوات الطويلة. ومن هنا نفهم لماذا انتشرت القهوة أولاً في السياقات الدينية قبل أن تدخل إلى النسيج العام للحياة الاجتماعية والتجارية.


المقهى العثماني

بحلول منتصف القرن السادس عشر، دخلت القهوة إلى الدولة العثمانية. وتذكر إحدى الحوليات العثمانية أن تاجرين عربيين—أحدهما من حلب والآخر من دمشق—أحضرا القهوة إلى إسطنبول وافتتحا أول مقاهيها. ومن هناك، تكاثرت المقاهي بسرعة لتعيد تشكيل الثقافة العامة. حتى إن إسطنبول وصفت بأنها “مدينة المقاهي”، حيث شكّلت أماكن تجمع للرجال من مختلف الطبقات الاجتماعية.

لم تكن هذه المقاهي مجرد أماكن للتسلية؛ بل منتديات للنقاش، مراكز للتجار، ومسارح للعروض. فقد قُدّمت فيها عروض “كراكوز وعيواظ” الشعبية الساخرة، التي استخدمت الفكاهة لانتقاد السلطة والأعراف الاجتماعية. وبهذا أصبحت المقاهي مواقع للإنتاج الثقافي بقدر ما كانت للاستهلاك.


السياسة، التمرد، والسيطرة

سرعان ما ظهرت الأهمية السياسية للمقاهي. فقد اعتاد الانكشارية، نخبة الجيش العثماني، استخدامها كمراكز للتعبئة، سواء لدعم السلطان أو للثورة ضده. هذا الارتباط أثار قلق الحكام. وعندما قضى السلطان محمود الثاني على الانكشارية في أوائل القرن التاسع عشر، تبع ذلك إغلاق العديد من المقاهي—مما كشف مدى ارتباطها العميق بالحياة السياسية.

وتُظهر أنماط الملكية التركيبة الاجتماعية للتجارة: فقد كان الغالبية العظمى من المقاهي العثمانية تُدار من قبل المسلمين، مع مشاركة محدودة للمسيحيين واليهود، مما يعكس الشبكات التجارية متعددة الأديان في الإمبراطورية.


من إسطنبول إلى أوروبا

وصلت القهوة إلى أوروبا في النصف الثاني من القرن السابع عشر عبر التجارة والجاليات المهاجرة. وتختلف الروايات: فبعضها يشير إلى أن التجار الهولنديين نقلوا شتلات القهوة إلى مستعمراتهم، بينما يرجع آخرون الفضل إلى التجار اليونانيين والأرمن. لكن المؤكد أن القهوة دخلت أوروبا كسلعة ومؤسسة في الوقت نفسه.

أصبحت المقاهي الأوروبية، خاصة في لندن وباريس، أماكن اجتماع للمفكرين والتجار والكتّاب. وكما هو الحال في المقاهي العثمانية، كانت منتديات للنقاش وتبادل الأعمال. ومع ذلك، ظهرت اختلافات واضحة: فقدمت المقاهي الأوروبية الطعام والكحول، ودُعيت النساء إليها بقدرات محدودة—غالباً كخادمات لا كروّاد—حتى القرن الثامن عشر. بينما ظلت المقاهي العثمانية فضاءات ذكورية مرتبطة بأفكار الرفقة والرجولة.


القهوة، الميركنتيلية، والعولمة

بحلول الوقت الذي وصلت فيه القهوة إلى أوروبا، كان العالم يدخل عصر الميركنتيلية (التجارة الاستعمارية). أصبحت القهوة سلعة استعمارية أساسية، تُزرع في أراضٍ تحت السيطرة الأوروبية من جاوة إلى الكاريبي. وما بدأ كوسيلة روحية للذكر والدعاء، تحول إلى جزء من ماكينة الرأسمالية العالمية. أما المقهى، فقد عُمّم بدوره: فحيثما انتشرت القهوة، تبعها المقهى، متكيفاً مع الثقافات المحلية مع احتفاظه بدوره كمركز للتبادل.


الخاتمة

لم ينشأ المقهى في أوروبا بل في المجتمعات الإسلامية—مولوداً من الممارسة الروحية، متشكلاً في الحياة الحضرية العثمانية، ومنقولاً لاحقاً إلى شبكات التجارة الأوروبية. إن استمراره حتى اليوم يكمن في طبيعته المزدوجة: مشروع تجاري ومؤسسة ثقافية في آن واحد. وتتبع تاريخه يكشف كيف ربط نبات واحد بين العبادة والسياسة، والعادات المحلية والتجارة العالمية، واليقظة الروحية والرفقة الحديثة.

أما بالنسبة إلينا اليوم، فالقهوة هي أيضاً مادة جمالية. فالنبتة ذاتها التي غذّت الدعاء والمحادثة، باتت اليوم تثري مستحضرات العناية الفاخرة بالبشرة، بما تقدمه من فوائد مضادة للأكسدة والالتهابات. ومن خلال تذكّر العمق الثقافي للقهوة، فإننا لا نفهم ماضيها فحسب، بل نُكرم أيضاً دورها الحاضر في كيفية عنايتنا بأنفسنا. وفي المقال القادم من هذه المجلة، سننتقل من التاريخ إلى العلم—لنبحث في نبات القهوة نفسه، زهوره، وكيمياؤه الحيوية—لنُظهر لماذا لا يزال يلهم الثقافة والتجميل معاً.


المراجع

  • كيرلي، جنكيز. “المقاهي: الترفيه والرفقة في إسطنبول العثمانية.” في: ثقافات الترفيه في المدن الأوروبية، 1700–1870: منظور عابر للحدود. تحرير بيتر بورسـاي ويان هاين فورنيه، ص161–182. مانشستر: مطبعة جامعة مانشستر، 2016. الرابط
  • كانيل، م. ج. ر. “فسيولوجيا محصول القهوة.” في: القهوة. تحرير م. ن. كليفورد وك. س. ويلسون، ص108–134. بوسطن: سبرنغر، 1985. الرابط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *