كشفت دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Communications عن دليلٍ علمي قوي يربط بين رباعي الهيدروكانابينول (THC)، وهو المركّب النفسي الرئيسي في نبات القنب، وبين تدهور جودة البويضات البشرية وانخفاض قابلية الأجنة للحياة.
تشهد استهلاكات القنب وتقنينه ازدياداً مستمراً حول العالم، ما يثير تساؤلات حول تأثيراته على الصحة الإنجابية. كما ارتفعت نسبة مادة الـTHC في منتجات القنب نحو خمس مرات خلال العقود الأربعة الماضية — من حوالي 3٪ في ثمانينيات القرن الماضي إلى نحو 15٪ بحلول عام 2020، وتصل في بعض المنتجات الحديثة إلى أكثر من 30٪.
وعلى الرغم من وجود أبحاثٍ كثيرة تناولت تأثير الـTHC على الحيوانات المنوية وعلى نتائج الحمل، فإن تأثيره المباشر على بويضة الإنسان لم يكن واضحاً حتى الآن. جاءت هذه الدراسة لتسدّ هذه الفجوة من خلال تحليل سريري ومخبري متكامل.
تصميم الدراسة
أجرى الباحثون في مركز CReATe للخصوبة في تورونتو قياساتٍ لمستويات الـTHC ومستقلباته في السائل الجُريبي — وهو السائل الذي يحيط بالبويضات داخل المبايض — لدى 1,059 مريضة يخضعن لعمليات الإخصاب في المختبر (IVF).
تمّ اكتشاف مستقلبات الـTHC في 62 مريضة (6٪ من العينات)، ومن اللافت أن 73٪ من هؤلاء المريضات لم يُفصحن عن استخدام القنب في استمارات التسجيل.
بعد ذلك قام الفريق بتعريض بويضات بشرية غير ناضجة مُتبرّع بها لتركيزات من الـTHC مطابقة لتلك التي وُجدت في السائل الجُريبي، وتتبعوا التغيّرات خلال فترة نضج استمرت 24 ساعة. شملت التجارب المخبريّة 284 بويضة من 24 مريضة.
وأظهرت النتائج أن تركيزات الـTHC كانت متطابقة في الدم والسائل الجُريبي، ما يشير إلى أن المركّب ينتقل إلى بيئة البويضة عبر الانتشار السلبي من مجرى الدم.
النتائج الرئيسية: أخطاء صبغية وانخفاض جودة الأجنة
جمعت الدراسة بين تحليل سريري مقارن لمرضى الإخصاب وتجارب مخبرية على بويضات بشرية متبرَّع بها، وكشفت عن عدة آثار سلبية مباشرة للتعرّض لمادة الـTHC.
1. وصول الـTHC إلى بيئة البويضة
أكدت الدراسة أن الـTHC ومستقلباته تتراكم في السائل الجُريبي، ما يجعل البويضة مباشرة في بيئة معرّضة للمركّب.
وتطابق التركيز في الدم والسائل الجُريبي يؤكد أن انتقاله يتم عبر الانتشار السلبي وليس عبر نقل نشط.
2. انخفاض معدل سلامة الكروموسومات (Euploidy) في الأجنة
في الدراسة السريرية:
- تمّ الكشف عن الـTHC في 6٪ من المرضى.
- 73٪ من هؤلاء لم يصرّحوا باستخدام القنب.
- أظهرت الأجنة الناتجة عن هؤلاء المرضى معدلاً أقل لسلامة الكروموسومات (60٪ مقارنة بـ67٪ لدى المجموعة الضابطة، p = 0.0245).
تعني سلامة الكروموسومات (Euploidy) أن الجنين يمتلك العدد الصحيح من الكروموسومات. أما الأجنة التي تحتوي على عدد غير طبيعي (Aneuploidy) فهي السبب الرئيسي للإجهاض وفشل عمليات الإخصاب.
وقد وجدت الدراسة أن التعرض للـTHC يضاعف تقريباً احتمال انخفاض سلامة الكروموسومات في الأجنة (نسبة الأرجحية = 0.47، p = 0.038).
3. اضطراب في انقسام الكروموسومات داخل البويضة
كشفت التجارب المخبرية عن الآلية التي تؤدي إلى انخفاض جودة الأجنة:
- تشوّه المغزل الانقسامي (Spindle): تسبب التعرض للـTHC في تشوّهات بنيوية في المغزل المسؤول عن فصل الكروموسومات أثناء نضوج البويضة.
- في أعلى جرعة من الـTHC، أظهرت 92٪ من البويضات تشوهات في المغزل، مقارنة بـ42٪ في المجموعة الضابطة.
- زيادة الأخطاء الصبغية: ارتفع معدل الأخطاء الكروموسومية من 39٪ إلى 48٪، كما زادت حالات الاختلالات المعقدة (التي تشمل ثلاثة كروموسومات أو أكثر) من 0٪ إلى 42٪.
- تغيّرات في التعبير الجيني: تأثر نشاط 316 جيناً داخل البويضات، من بينها:
- MMP9: ضروري للإباضة وانغراس الجنين – انخفضت فعاليته.
- IFNG وIL33: جينات مناعية ضرورية لنجاح الانغراس – انخفض تعبيرهما.
- كما تأثرت الجينات المسؤولة عن انقسام الكروموسومات وتكوين المغزل الانقسامي.
4. الـTHC يسبب نضوجاً مبكراً للبويضات
تحمل البويضات مستقبلات القنب (CB1 وCB2) على سطحها، والتي تنظم توقيت النضوج عبر إنزيم يُسمى أدينيلات سيكلاز (Adenylate Cyclase)، الذي ينتج جزيئاً يُعرف بـ cAMP.
تعمل المستويات العالية من cAMP كفرامل تمنع النضوج المبكر.
عندما يرتبط الـTHC بهذه المستقبلات، فإنه يقلل إنتاج cAMP، مما يزيل “الفرامل” ويدفع البويضة إلى النضوج قبل أوانه.
لكن هذا النضوج المبكر يمنع الكروموسومات من الاصطفاف الصحيح على الصفيحة الاستوائية (Metaphase Plate)، ما يؤدي إلى أخطاء في الفصل الكروموسومي.
وهذا يفسّر ملاحظات الدراسة حول تسارع نضوج البويضات وارتفاع معدلات الأخطاء الصبغية بعد التعرض للـTHC.
حدود الدراسة
- استخدمت التجارب المخبريّة بويضات غير ناضجة فشلت في النضوج أثناء التحفيز الهرموني، وربما لا تمثل البويضات المثالية.
- حجم العينة لم يسمح بتحليل التأثيرات حسب العمر، رغم أن 81٪ من المتبرعات كنّ دون سن 37.
- لم تتضمن البيانات السريرية تفاصيل حول نمط استخدام القنب (عدد المرات، التوقيت، الجرعة أو طريقة الاستهلاك)، ولم يتم اختبار مواد أخرى محتملة التأثير.
الآثار الصحية والتوصيات
توفّر هذه الدراسة دليلاً سريرياً وجزيئياً مباشراً على أن مادة الـTHC يمكن أن تُضعف جودة البويضات البشرية، مما يقلل من احتمال الحصول على أجنة سليمة وقابلة للحياة.
ومع ازدياد انتشار استهلاك القنب، تُبرز النتائج ضرورة توعية النساء اللواتي يخططن للحمل أو يخضعن لعلاجات الخصوبة بخطورة استخدام القنب على جودة البويضات ونمو الأجنة.
المرجع
Duval, C., Wyse, B. A., Fuchs Weizman, N., Kuznyetsova, I., Madjunkova, S., & Librach, C. L. (2025). Cannabis impacts female fertility as evidenced by an in vitro investigation and a case-control study. Nature Communications, 16, Article 8185. https://doi.org/10.1038/s41467-025-63011-2


