The M-Press Journal

كيف يُسهم الهدف السادس للتنمية المستدامة في معالجة تلوث المياه بالعطور؟

قُدِّر حجم سوق العطور العالمي بحوالي 58.9 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 89.4 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2033، مما يعكس نموًا ثابتًا مدفوعًا بزيادة طلب المستهلكين على منتجات العناية الشخصية، والتعبير عن الهوية، والمنتجات الفاخرة. وتوجد مركبات العطور في أكثر من 95% من منتجات العناية الشخصية — بما في ذلك الشامبو، وغسول الجسم، ومزيلات العرق، ومنظفات الغسيل، ومنظفات المنازل — مما يجعل تعرض المستهلكين لها شبه شامل.

هذا الحجم من الإنتاج والاستخدام يحمل معه أثرًا بيئيًا يظل إلى حد كبير غير مرئي للجمهور: وهو إطلاق مواد كيميائية صناعية قد تكون ضارة في أنظمة المياه العذبة حول العالم.

يتناول هذا التقرير ثلاثة أسئلة مترابطة:
ما هي العطور، ولماذا لا يتم الكشف عن تركيبها الكيميائي للمستهلكين؟
كيف تصل المواد الكيميائية العطرية إلى أنظمة المياه وتلوثها؟
كيف يوفر الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDG 6) — وتحديدًا الغاية 6.3 والمؤشر 6.3.2 — إطارًا عالميًا لقياس هذه المشكلة ومعالجتها؟


أولًا: ما هي العطور؟

تظهر كلمة “عطر” — أو ما يعادلها “parfum” — كعنصر واحد في قوائم مكونات مليارات المنتجات الاستهلاكية. إلا أنها في الواقع ليست مكونًا واحدًا، بل مصطلح شامل يشير إلى تركيبة قد تحتوي على عشرات أو مئات، وفي بعض الحالات آلاف المركبات الكيميائية المختلفة، سواء كانت طبيعية أو صناعية.

تعرف إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) العطر بأنه “مزيج من المواد الكيميائية التي تمنح كل عطر أو كولونيا رائحته المميزة”. وتشمل هذه التركيبات عادة مركبات عطرية، ومذيبات، ومثبتات، ومواد ماصة للأشعة فوق البنفسجية، ومواد حافظة. والأهم من ذلك أن تركيبها الكيميائي التفصيلي لا يُلزم بالإفصاح عنه على ملصقات المنتجات.

الإطار القانوني لعدم الإفصاح

في الولايات المتحدة، تُحمى تركيبات العطور باعتبارها أسرارًا تجارية بموجب قانون التعبئة والتوسيم العادل (FPLA). وينص القانون صراحةً على أنه لا يمكن استخدام متطلبات إدراج المكونات لإجبار الشركات على الكشف عن أسرارها التجارية. ونتيجة لذلك، يمكن إدراج تركيبة كاملة — بغض النظر عن عدد المواد الكيميائية التي تحتويها — ببساطة تحت اسم “عطر” أو “نكهة”.

في المغرب، لا يوجد تشريع مماثل ينص صراحةً على هذه الحماية. حيث تُنظم مستحضرات التجميل حاليًا بموجب المنشور رقم 48 DMP/20 (2012) الصادر عن وزارة الصحة، والذي يفرض تسجيل المنتجات لدى مديرية الدواء والصيدلة (DMP) ويشير إلى توجيه الاتحاد الأوروبي 76/768/EEC كمعيار. ومع ذلك، لا يُلزم هذا المنشور بالكشف عن مكونات العطور الفردية للمستهلكين.

والنتيجة هي فراغ تشريعي: إذ لا تُجبر الشركات ببساطة على الكشف عما يكمن وراء كلمة “parfum” على الملصق، سواء كان المنتج محليًا أو مستوردًا. وهذا يخلق فجوة جوهرية في معلومات المستهلك، حيث لا يستطيع حتى من يدفع ثمن منتجات “نظيفة” أو “عضوية” التحقق مما يتعرض له فعليًا.


ثانيًا: كيف تدخل المواد الكيميائية العطرية إلى أنظمة المياه وتلوثها؟

حددت الأبحاث ثلاث آليات رئيسية تنتقل من خلالها المواد الكيميائية العطرية من المنتجات الاستهلاكية إلى البيئات المائية العذبة.

الآلية الأولى — التصريف عبر المصارف ومحدودية معالجة مياه الصرف

المسار الأكثر مباشرة هو عبر المصارف المنزلية. فعند استخدام المنتجات اليومية — مثل الشامبو والمنظفات — تُغسل المواد الكيميائية العطرية إلى المجاري وتدخل أنظمة الصرف الصحي.

تشمل الفئات الكيميائية الرئيسية:

  • الفثالات (مثل ثنائي إيثيل الفثالات DEP) المستخدمة لإطالة ثبات الرائحة
  • المسك الصناعي (مثل Galaxolide وTonalide) المستخدم على نطاق واسع
  • المسك النيتروي (مثل musk xylene) المحظور حاليًا في الاتحاد الأوروبي واليابان

تكمن المشكلة الأساسية في أن محطات معالجة مياه الصرف التقليدية لم تُصمم لإزالة هذه المركبات المعقدة، مما يؤدي إلى تصريف جزء كبير منها مباشرة في الأنهار والبحيرات والمياه الساحلية.


الآلية الثانية — التأثيرات البيولوجية على الكائنات المائية

بمجرد وصولها إلى البيئة المائية، تتفاعل هذه المواد مع الكائنات الحية، وقد وثّقت الدراسات تأثيرات مثل:

  • اضطراب الأنظمة الدفاعية الخلوية
  • الإجهاد التأكسدي
  • السمية العصبية
  • اختلال الغدد الصماء

وأظهرت أبحاث أن المسك الصناعي يمكن أن يضعف آليات الدفاع لدى الكائنات البحرية حتى عند تركيزات منخفضة جدًا، مع آثار قد تستمر حتى بعد انتهاء التعرض.

كما تم رصد هذه المواد في عينات بشرية مثل الدم والأنسجة الدهنية وحليب الأم، مما يدل على قدرتها على التراكم الحيوي.


الآلية الثالثة — التراكم الحيوي والدخول في السلسلة الغذائية

تم تصميم العديد من مركبات العطور لتكون مستقرة وطويلة الأمد، مما يسمح لها بالتراكم في البيئة والكائنات الحية.

بعد المعالجة، ترتبط هذه المواد غالبًا بحمأة الصرف الصحي التي تُستخدم كسماد زراعي، مما يسمح بانتقالها من الماء إلى التربة ثم إلى المحاصيل الغذائية، وبالتالي إلى الإنسان.


ثالثًا: الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة (SDG 6)

يلتزم الهدف السادس بضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع بحلول عام 2030، ويشمل أيضًا جودة المياه، وهي مسألة مرتبطة مباشرة بالتلوث الكيميائي.

الغاية 6.3 والمؤشر 6.3.2

  • تدعو الغاية 6.3 إلى تحسين جودة المياه من خلال تقليل التلوث والحد من المواد الكيميائية الخطرة
  • يقيس المؤشر 6.3.2 نسبة المسطحات المائية ذات الجودة “الجيدة”

ووفقًا لتقرير الأمم المتحدة (2024):

  • 56% فقط من المياه المصنفة جيدة في 2023
  • انخفاض من 57% في 2017
  • 4.8 مليار شخص معرضون للخطر بحلول 2030

لكن هذا المؤشر لا يقيس بعد الملوثات الكيميائية الصناعية مثل مركبات العطور، مما يجعل هذا النوع من التلوث غير مرئي في القياسات العالمية.


رابعًا: الفجوة السياسية والطريق إلى الأمام

رغم أهمية SDG 6، إلا أنه غير كافٍ وحده لمعالجة المشكلة.

الإطار التنظيمي

  • في الولايات المتحدة: لا تزال ثغرة “العطر” قائمة رغم تحديث القوانين
  • في الاتحاد الأوروبي: تم حظر أكثر من 2400 مادة كيميائية
  • في المغرب: لا يوجد إلزام قانوني بالإفصاح

دور المستهلك
يمكن للمستهلكين:

  • اختيار منتجات شفافة بالكامل
  • تجنب المنتجات التي تذكر فقط “fragrance”
  • دعم الشهادات الموثوقة

الخلاصة

العطر ليس مكونًا واحدًا، بل تركيبة معقدة قد تحتوي على مئات المواد الكيميائية، كثير منها غير معلن. بعض هذه المواد يبقى في أنظمة المياه، ويؤثر على الكائنات الحية، ويدخل السلسلة الغذائية.

يوفر الهدف السادس إطارًا مهمًا، لكنه لا يغطي هذه المشكلة بالكامل. لذلك، يتطلب الحل:

  • تشريعات أقوى
  • تقنيات معالجة أفضل
  • مستهلكين أكثر وعيًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *